الصدقة برهان (2)
إنه لا يخفى على أحد أهمّية الصدقة في حياة المجتمع المسلم، لذا فقد تناولنا- في العدد السابق من هذه المجلة- الحديث عن الصدقة من خلال عدّة نقاط تمثلت في: (تعريف الصدقة- والصدقة في البيان الإلهي- والصدقة في البيان النبوي- وأنواع الصدقة- وآداب الصدقة)، وهذا هو لقاؤنا الثاني لنكمل بيان هذا الموضوع بإذن الله تعالى.
هدي النبي- صلى الله عليه وسلم- في الصدقة
قال الإمام ابن القيم- رحمه الله- عن هدي النبي- صلى الله عليه وسلم- في الصدقة: «وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أعظم الناس صدقة بما ملكت يده. كان لا يستكثر شيئًا أعطاه الله تعالى، ولا يستقله، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحبّ شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذ».
فقد كان- صلى الله عليه وسلم- أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة، وكان إذا عرض له محتاج آثره على نفسه؛ تارة بطعامه، وتارة بالهدية، وتارة بشراء الشيء ثم يعطي البائع الثمن والسلعة جميعًا، وكان تارة يقترض الشيء فيردّ أكثر منه وأفضل وأكبر، ويشتري الشيء فيعطي أكثر من ثمنه، ويقبل الهدية ويكافئ عليها بأكثر منها وبأضعافها تلطفًا وتنوّعًا في ضروب الصدقة والإحسان بكلّ ممكن، ويأمر بالصدقة ويحضّ عليها ويدعو بحاله وقوله.
ولذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أشرح الخلق صدرًا وأطيبهم نفسًا وأنعمهم قلبًا؛ فإن للصدقة وفعل المعروف تأثيرًا عجيبًا في شرح الصدور. ولرسولنا- صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة حيث يخبرنا أن ثلاثة يدخلون الجنة بسبب القليل من الطعام. وذلك فيما رواه أبو هريرةـ رضي الله عنه- أنه قال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله عز وجل ليُدخل باللقمة الخبز، وقبضة التمر، ومثله ممّا ينتفع به المسكين ثلاثة الجنة: ربّ البيت الآمر به، والزوجة تصلحه، والخادم الذي يناول المسكين» فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «الحمد لله الذي لم ينس خدمنا».
من صور جود النبي [ بالصدقة
1- عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله- صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة».
2- وجاءت امرأة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- ببردة (شملة منسوجة فيها حاشيتها) فقالت: يا رسول الله جئتك أكسوك هذه، فأخذها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان محتاجًا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله: ما أحسن هذه، اكسنيها (أي أعطني إياها كسوة ألبسها) فقال: نعم. فلما قام رسول الله لامَهُ أصحابه وقالوا: ما أحسنت حين رأيت رسول الله أخذها محتاجًا إليها ثمّ سألتَه إيّاها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه. قال: والله ما حملني على ذلك إلا رجوت بركتها حين لبسها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لعلي أكفن فيها.
3- وعن أنس- رضي الله عنه- قال: ما سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: «يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر».
4- ويقول- صلى الله عليه وسلم- لخازنه بلال- رضي الله عنه-: «أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً».
5- وقال- صلى الله عليه وسلم-: «أنفق ينفق الله عليك».
6- وقال: «أيما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عُري، كساه الله من خضر الجنة. وأيّما مسلم أطعم مسلمًا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة. وأيّما مسلم سقى مسلمًا على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم».
7- وقيل: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهد المقُلِّ، وابدأ بمن تعول».
8- وقال: »تصدّقوا»، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال: «تصدّق به على آخر» قال: عندي آخر، قال: «تصدّق به على زوجتك». قال: عندي آخر، قال: «تصدّق به على خادمك» قال: عندي آخر، قال: «أنت أبصرُ به».
9- وقال: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئًا».
صدقة التطوّع
وهي مستحبّة في جميع الأوقات، لقوله تعالى: «مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً»(البقرة:245) وقال العلماء: أن صدقة السرّ أفضل من صدقة العلانية، لقول الله تعالى: «إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ»(البقرة:271). وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن الصدقة الجارية: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
* وصدقة التطوّع من أسباب النجاة من حرّ يوم القيامة: لحديث عقبة بن عامرـ رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كلّ امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس». أو قال: «يحكم بين الناس» وفي لفظ: «إن ظلّ المؤمن يوم القيامة صدقته».
وعلى الإنسان إذا تصدّق بالقليل ألا يخجل من تبرّعه أو تصدّقه، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع عنده مثقال ذرة، والسيرة تثبت أن المنافقين- حينما كانوا يشكّكون في صدق نيّة المتبرّعين ويلمزونهم إن دفعوا قليلاً أو كثيرًا- كشف الله حقيقتهم للمسلمين فقال تعالى: «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(التوبة:79)، وكان سبب نزول هذه الآية أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يغزو الروم في (تبوك) طلب من أصحابه التصدّق لتجهيز الجيش؛ فتصدّق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله فقال المنافقون: إن عبد الرحمن لشديد الرياء. وتصدّق رجل من فقراء المسلمين يكنّى بأبي عقيل بصاعٍ من تمر. حيث جاء فقال: «يا رسول الله، هذا صاع من تمر بتّ ليلتي أجرّ بالجرير- أي بالحبل- الماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما وأتيت بالآخر»، فسخر منه المنافقون وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن صاع هذا، وأمره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن ينشر صاعه هذا في الصدقات، بعد أن نزلت الآية.
فوائد الصدقة على مستوى الفرد
أولا: أن من أنفق في سبيل الله وبذل في وجوه الخير، فإن الحسنة تُضاعف له من عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف أو يزيد، فإن الله تعالى يزيد الثواب على قدر حال المنفق ورغبته فيما عند الله مع إخلاص النية، قال تعالى: «مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»(البقرة:261).
ثانيًا: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة: خمسٌ في الدنيا وخمسٌ في الآخرة: فأما الخمس التي في الدنيا فهي:
1- تطهير المال كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «يا معشر التجار إن هذا البيع يحضره الحق والكذب، فشوبوه بالصدقة»
2- تطهير البدن من الذنوب. كما قال الله- عز وجل-: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا»(التوبة:103 )
3- دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «داووا مرضاكم بالصدقة، وحصّنوا أموالكم بالزكاة، وأعدّوا للبلاء الدعاء»
4- إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين، كما قال- صلى الله عليه وسلم-: «أحب الناس إلى الله- عز وجل- أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديْنًا أو تطرد عنه جوعًا».
5- بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال الله تعالى: «وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ»(سبأ:39).
وأما الخمس التي في الآخرة فهي:
1- أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها من شدّة الحرّ.
2- أن فيها خفة الحساب.
3- أنها تثقل الميزان.
4- جواز على الصراط.
5- زيادة الدرجات في الجنة.
ثالثاً: أنه لو لم يكن في الصدقة فضيلة سوى دعاء المساكين لكان الواجب على العاقل أن يرغب فيها، فكيف وفيها رضا الله تعالى وإرغام الشيطان وفيها الاقتداء بالصالحين؛ لأن الصالحين كانت همّتهم الصدقة، لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: « فاتقوا النار ولو بشق تمرة». أي: أن العبد- برحمة الله تعالى- قد ينجو من النار لو تصدّق بالقليل ولو كان مقدار «نصف التمرة».
رابعًا: أن من فعلها يبارك الله له في ماله ويحصل له الأجر العظيم ببركة دعوة الملكيْن له: فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا».
خامسًا: الصدقة سدّ منيع بين المتصدّق وبين الشرّ والبلاء، وتدفع ميتة السوء كما قال- صلى الله عليه وسلم-: «إن الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء». فهي سبب في منع الشرور وصدّ الأذى، وتقفل سبعين بابًا من الضرر والهلاك والفقر والمرض، وغير ذلك من المصائب المؤلمة والمؤذية، يقول- صلى الله عليه وسلم-: «الصدقة تسدّ سبعين بابًا من السوء».
سادسًا: الصدقة فيها جملة من الفوائد الشرعية تتلخص في: (تقديم ما يحبّه الله على محبّة المال، وأنها برهان على إيمان صاحبها كما في الحديث: «والصدقة برهان»، وفيها إضعاف مادّة الحسد والحقد والبغض أو قطعها كليًا، والاتصاف بأوصاف الكرماء، والتمرّن على البذل والعطاء، وأنها سبب لجلب المودة لأن النفوس مجبولة على حُبِّ من أحسن إليها، والفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب لقوله تعالى: «وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(الحشر:9)، وأن المتصدّق يكون في ظلٍّ يوم القيامة كما في الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله، وذكر منهم: ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه»، كما أن الصدقة سبيل الفوز بالقرب من رحمة الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ»(الأعراف:56)، والمتصدّقون يضاعف الله لهم ثواب أعمالهم. قال تعالى: «إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ»(الحديد:18) لذا كانت السيدة عائشة- رضي الله عنها- عندما كانت تتصدّق فيدعو لها الفقير تدعو له بنفس الدعوة، فلما سُئلت: لماذا تدعين للفقير، قالت: حتى تكون دعوتي مقابل دعوته، وتكون الصدقة خالصة لله).
سابعًا: للصدقة سعة في الصدر لأن ممّا يجلب السعادة ويُوسع في الصدر ويزيل الهمّ والكدر: فعل الإحسان من الصدقة والبرّ وإسداء الخير للناس، وقد وصف- صلى الله عليه وسلم- البخيل والكريم برجلين عليهما جُبّتان، فلا يزال الكريم يُعطي ويبذل، فتتوسّع عليه الجبّة والدرع من الحديد حتى يعفو أثره، ولا يزال البخيل يمسك ويمنع، فتتقلص عليه، فتخنقه حتى تضيق عليه روحه! لذا قال تعالى:»وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ» وإن غلَّ الروح جزء من غلّ اليد، وإن البخلاء أضيق الناس صدورًا وأخلاقًا، لأنهم بخلوا بفضل الله عز وجل، ولو علموا أن ما يعطونه الناس إنما هو جلب للسعادة، لتسارعوا إلى فعل الخير.
فوائد الصدقة على مستوى المجتمع
أولا: أن في بذل الصدقات وإيجاد المشاريع الخيرية علاج لمشكلة الفقر التي وضع الإسلام لها حلولاً، وجعل البرّ والإحسان من بين تلك الحلول، فإن الفقير الذي يعاني من الحرمان، ويشعر أن الغني منعه حقه الواجب في ماله، أو المستحب في فضل ماله، قد يحمله هذا الشعور إلى محاولة الانتقام، وقد روي في الأثر: «كاد الفقر أن يكون كفرًا».
ثانيًا: أن في الصدقات علاجٌ لحسد الفقراء للأغنياء، فإن الحاجة والحرمان قد يحملان الفقير على سلوك الطرق المعوجّة للحصول على المال، ولو عن طريق النهب والسلب، والنبي- صلى الله عليه وسلم- عندما نهى عن الشحّ فقال: «اتقوا الشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم» بيّن أنهم بسبب شحّ أغنيائهم على فقرائهم فقد «سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم»، إذا فالصدقات تحمي المجتمع من جرائم السطو والانتقام، وقد حذّر النبي- صلى الله عليه وسلم- أمّته من خطورة سلوك الفقير حيث قال: «إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب ووعد فأخلف».
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.
والحمد لله أوّلا وآخرًا