خبراء: السندات... البديل الأفضل والأنجح للقروض المصرفية
وسط تشدّد البنوك في الإقراض خاصّة للشركات الحاصلة على عقود المشاريع التنموية
الوزان: يتعيّن على هيئة السوق إصدار تشريع ينظّم قطاع السندات ويتيح الفرصة للعمل به في البورصة
العلوش: أفضل وقت لعمل السندات من خلال سحب السيولة المتكدّسة من البنوك
الطواري: الصناديق الاستثمارية المتخصّصة أفضل للمستثمر العادي من السندات
الدليمي: أدوات استثمارية جديدة انتعشت بسبب تشدّد المصارف في الإقراض
بوخضور: السندات تتميّز بعدم وجود مخاطرة وتكون الأفضل في حال ارتفاع سعر الفائدة
توقّع خبراء اقتصاديون أن يؤدّي إعلان وكالة «ستاندرد آند بورز» عن نيّتها مراجعة التصنيفات الائتمانية بـ 50 مصرفاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى وضع المزيد من التعقيدات والعقبات في وجه الشركات الراغبة بالحصول على تمويلات مصرفية لتنفيذ مشاريعها، بالإضافة إلى إحداث مشكلة أكثر تعقيدًا وهي ارتفاع كلفة التمويل إن حصلت عليه الشركة.
ويرى بعض الخبراء أن حدوث السيناريو المشار إليه أعلاه سينعش سوق السندات كونها ستكون البديل الأفضل والأنجح للقروض المصرفية في حال ارتفاع كلفتها وازدياد صعوبة الحصول عليها، فهل ستصبح السندات فعلا هي الأداة الأفضل والأمثل لمعالجة ومواجهة التشدّد المصرفي في الإقراض؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تأخذ السندات هذا الدور منذ بداية الأزمة المالية العالمية؟ وهل أي شركة يمكن أن تلجأ إلى تمويل مشاريعها عبر السندات أم أن هناك مواصفات معيّنة للشركات التي يمكن أن تجد سنداتُها مشترين لها مهما كانت قيمتها؟ وذلك رغم ما يراه الخبراء من أن المصارف الكويتية لن تتأثر إطلاقاً بقضية مراجعة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية لـ 50 مصرفاً في المنطقة، وذلك لكون المصارف الكويتية لديها ملاءة مالية قوية تمكّنها من مواصلة عمليات الإقراض والتمويل للجهات الراغبة.
ويبقى السؤال: هل سيولد عصر التمويل بالسندات وتتخلّى المصارف عن عرش الإقراض لصالح إصدار السندات؟ تلك السندات التي بدورها لها مزايا عدّة أهمّها: أن مالك السندات لا يعتبر شريكاً في المشروع أو الشركة التي طرحت السندات للبيع وليس له صوت في مجلس الإدارة مهما كانت ملكيته، وأن صاحب السند يشتري السند وهو يعلم أن هناك ضماناً لعودة ماله إليه من هذا المشروع، كما أن لمالك السند الأولوية في تحصيل أمواله فيما لو تعرّضت الشركة أو المصلحة التي استفادت من بيع السند لأي انتكاسة مالية، فصاحب السند له الأولوية في تحصيل أمواله في حالة الإفلاس، ولصاحب السند كذلك قوّة أخرى هي أنه يستطيع أن يطالب بإعلان إفلاس الشركة أو المصلحة في حالة عدم سدادها للفائدة أو للمبلغ عند حلول موعد دفع المبلغ، وهذه قوّة تخيف الشركات والمصالح، ممّا يجعل لصاحب السند قوّة تعطيه كامل حقوقه وتحافظ على ماله عند هذا المدين.. وحول هذا الموضوع أجرت «العامل» التحقيق التالي:
< بداية، دعا رئيس مجلس إدارة بنك الكويت الدولي السابق عبد الوهاب الوزان هيئة أسواق المال إلى ضرورة إصدار تشريع لتنظيم السندات والصكوك، وهما أداتان ماليتان تعمل بهما البنوك التقليدية والإسلامية، مؤكدًا في الوقت نفسه على وجوبية العمل بهما داخل سوق الأوراق المالية، لاسيما وأن دولا خليجية لديها أسواق للسندات والصكوك مثل البحرين والإمارات، إذ أنهما أداتان من أدوات التمويل التي تعدّ آمنة.
وقال: إن شركاتٍ بعينها في حاجة مستمرّة إلى التمويل، خاصّة الشركات ذات الملاءة مثل التسهيلات التجارية التي أعلنت عن إصدار سندات بـ 50 مليون دينار، وهو ما لاقى أريحية من جانب البنك المركزي، وبالتالي تعاونت البنوك مع الشركة، موضّحًا أن إصدار السندات يأتي عبر البنك المركزي لمحاولة تخفيف السيولة من السوق، إذ إن إصدار السندات يسحب جزءًا من السيولة الموجودة في السوق، فضلا عن أنه عائد أفضل من العوائد الموجودة في البنوك.
وأشار الوزان إلى نوعية السندات الحكومية، معتبرًا إياها أكثر أماناً ومضمونة من الجهات الحكومية، وكذلك هي مضمونة من الشركات القوّية ذات الملاءة التي تصدر هذه السندات.
وأوضح أن سحب السيولة الموجودة في البنوك عبر إصدار السندات يأتي من خلال مشاركة البنوك في تلك الإصدارات سواء بشراء جزء منها أو المشاركة كجهة استشارية ومديرة لهذه العمليات، وتستطيع أيضًا البنوك تسويقها لعدد من المستثمرين، مؤكدًا أن من يشتري السندات: البنوك، والشركات والمستثمرون وهم القادرون على تمويل السندات، بالإضافة إلى الأفراد.
ولفت إلى أن السندات تتميّز أيضًا بتصنيفات معينة، وكل تصنيف له قيمة مختلفة عن الآخر، كما أن مُددها مختلفة.
وعن التداعيات التي تخلّفها السندات، أوضح الوزان أن السندات ليس لها تداعيات سلبية، فهي مثلا: إذا ما قلت أن دولة ما قامت بإصدار سندات أو صكوك بعدّة مليارات فإن ذلك يؤدّي إلى تباري شركات أجنبية لشرائها، خاصة لو كانت هذه الإصدارات من حكومات دول نفطية كون ذلك قوّة للسند، مشيرًا إلى أن السند حين يصدر من دولة نفطية أفضل من أن يصدر من دولة أخرى ضعيفة ماديًا حالها كحال الشركات القوية من الضعيفة.
< ومن جهته قال رئيس مجلس الإدارة السابق للشركة الأولى للاستثمار محمد العلوش أن الأزمات المالية العالمية تفرض تطبيق أدوات مالية أكثر أماناً تلجأ إليها شركات ومصارف بعد أن سيطرت حالة عدم اليقين في الأسواق لعدم تطبيق حلول عملية لمعالجة الأزمة، وتزامنًا مع ذلك تلجأ المصارف عادة إلى البحث عن هذه الأدوات حين تكون لديها سيولة عالية، وبالتالي لم تجد مناصًا عن تمويل إصدار السندات التي تقوم بتنفيذها شركات تمويل.
ولفت إلى أن الفترة القليلة الماضية شهدت إصدار سندات في السوق الكويتي بما يقترب من 100 مليون دينار عبر شركات «التسهيلات التجارية» و«المركز المالي» وغيرهما.
وأشار إلى أن ذلك يأتي في وقتٍ أعلنت فيه وكالة «ستاندرد آند بورز» عن مراجعتها تصنيف 50 بنكاً في الشرق الأوسط ممّا ينعكس بدوره على حركة التمويل، إلا أن العلوش أكد عدم انعكاس ذلك على السوق الكويتي الذي يتمتّع بسيولة عالية موجودة لدى البنوك، وستساعد عمليات إصدار السندات على سحب جزء كبير منها ومن شأنها أن تنعش السوق لفترة.
وبيّن أن السندات هي إحدى عمليات التمويل التي لا تتأثر بأي أزمات لطبيعة عملها، وتعدّ الأكثر استقرارًا فضلا عن أن مُدد استحقاقها أطول.
< وبدوره، قال الخبير الاقتصادي حجاج بوخضور أن إصدار السندات يعتبر إحدى وسائل التمويل المختلفة، موضّحًا أن وجود تضخّم هو أمر يؤدّي بالضرورة إلى ارتفاع معدّلات الفائدة في القطاع المصرفي، وبالتالي يصبح التمويل مكلفاً لدى المصارف، وبالتالي فالتمويل عبر السندات في هذه الحالة يعدّ الأفضل والأوفر، خاصّة مع إغلاق التمويل من جانب البنوك.
وقال: إن السندات تتميّز بعدم وجود مخاطرة إذ أن مالك السند دائن إلى الجهة المصدرة له، سواء كانت حكومة أو شركة أو مشروعًا، وتطرح هذه السندات للبيع في سوق المال لتحصيل مبلغ مطلوب لمشروع خاص ولهدف محدّد، وبالتالي يحصل مالك السند على فائدة سنوية تحدّد حسب طبيعة السند.
< ويؤكد مدير عام شركة مينا للاستشارات المالية والمحلل المالي عدنان الدليمي أن تقرير «ستاندرد آند بورز» عن البنوك المحلية أنها ستواجه أزمة في التمويل إنما ينطلق من معلوماتها بأن الضمانات من المقترضين هي التي ستؤدّي لتراجع حجم التمويل لدى البنوك من جانب، وأن ظهور سوق السندات من جانب آخر كان سببًا في توجّه البنوك للتعامل معها كونها مفضّلة عن الإقراض لانعدام أو انخفاض نسبة مخاطرها.
وأضاف بأن تلك الأدوات ظهرت بسبب الحاجة الماسّة إليها بعد أن تشدّدت البنوك في التمويل والإقراض ولم تتمكّن الشركات من الحصول على قروض مباشرة بفائدة منخفضة خلال الخمس سنوات الماضية.
وقال الدليمي: إن قانون تنشيط عمليات إصدار السندات والصكوك يحتاج إلى تفعيل حتى يعزّز من قدرة الشركات على تنفيذ كبرى المشاريع عن طريق تلك الأدوات التي تضمن القروض.
وأوضح أن بنك الكويت المركزي بدأ في إصدار سندات حكومية مقوّمة بالدينار في نوفمبر 1987م والتي أعطت ميزة مقبولة كضمان قروض عندما كانت البنوك تقترض من البنك المركزي، وقد سمح البنك المركزي باستخدام أذونات الخزانة لتغطية أي جزء غير مغطى من مديني البنوك، وقد اعتُبرت السندات الحكومية هي المكوّن الأكثر حيوية لنظام السيولة من حيث الفائدة المحتسبة، مشيرًا إلى أنه ورغم أن البعض يرى أن السندات القابلة للتحوّل والملزمة بالتحوّل إلى أسهم وكذلك الأسهم الممتازة أدوات مالية جديدة إلا أن سوق السندات الكويتي كان يعدّ الأكثر تطوّرًا في منطقة الخليج العربي، حيث بدأ نشاط هذا السوق في 1968م، وتمّ طرح أول إصدار للسندات للبنك الدولي بإدارة الشركة الكويتية للاستثمار بفائدة 6.5% لمدّة 10 سنوات.
< وعلى صعيد متصل، يرى رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة رساميل للهيكلة المالية عصام الطواري أن الاستثمار في أسواق السندات أصبح من أشهر الاستثمارات التي تلجأ إليها المؤسّسات المالية الكبرى وكبار وصغار المستثمرين في العالم، مبينًا أن الإقبال زاد على الاستثمار في السندات في الآونة الأخيرة بسبب الاضطرابات التي تشهدها أسواق العملات والناتجة عن تداعيات الأزمة المالية العالمية، إلى جانب أزمة الديون السيادية في منطقة الاتحاد الأوروبي وصعوبة الحصول على تمويلات مصرفية.
وقال الطواري أنه بالنسبة للشركات والمؤسّسات والحكومات فإن السندات تعتبر من أهمّ وسائل التمويل المالي المتوافرة وأقدمها، والتي عن طريقها تستطيع تلك الجهات الحصول على رأس المال اللازم للتمويل والتطوير والمنافسة، لافتاً إلى أنه وبالنسبة للحكومات فهي عادة تلجأ إلى السندات لتغطية ما عليها من ديون قصيرة الأجل أو لتنفيذ ما لديها من مشاريع تنموية، ولأن الحكومات لا تستطيع إصدار أسهم لرفع رأسمالها- كما تفعل الشركات- فإن اختيار السندات دائمًا هو المفضّل لديها، علاوة على ذلك- وبسبب قوّة الحكومات ككيان سياسي واقتصادي يمكن الاعتماد عليه- لذا فهي تستطيع أن تصدر سنداتٍ بكلفة أقل من الكلفة التي تدفعها الشركات، كما يمكن لها أن تبيع سندات تعطي عائدًا أقل من السندات التي تصدرها الشركات، نتيجةً لعنصر الأمان المتوقع لرأس المال إذا كانت الجهة المصدرة للسندات جهة حكومية قوية، وأوضح الطواري أنه كلما انخفض عنصر المخاطرة في الاستثمار تراجع العائد منه.